المحافظة على الأوطان، وحمايتها وقت الشدائد، والتمسك بالحقوق التاريخية لها، يتطلب التخطيط الجيد، والتزود بكل وسائل التفوق على الأعداء، والتحسب لغدرهم، والتقدم علي مخططاتهم بخطوات، كما يتطلب الترفع عن الحسابات الشخصية، والمكاسب الذاتية، ولغة التوازنات العبثية، وتحمل دفع فاتورة المواقف الحاسمة مهما كانت تكلفتها.
لذا لم تكن المشاهد والوثائق التي عرضتها قناة الجزيرة في برنامج «ما خفي أعظم»، في حلقته التي بثت يوم 30 أكتوبر الماضي، مجرد استعادة لصور نادرة من تاريخ المقاومة الفلسطينية، أو كشف لجوانب ظلت غامضة من حياة القائد العسكري محمد الضيف ورفاقه، وإنما شكلت نافذة جديدة لفهم طبيعة المرحلة التي عاشتها القيادة الفلسطينية خلال سنوات طويلة من المواجهة، وما أحاط بها من تحديات سياسية وأمنية وعسكرية وإنسانية بالغة التعقيد، تغلبوا عليها، بل و خططوا لمستقبل وطنهم، ورفضوا الركون لدعوات عالمية وعربية تغبن حق الفلسطينيين في المقاومة وكسر قيود الواقع.
المشاهد التي أظهرت محمد الضيف ويحيى السنوار وإسماعيل هنية وعدداً من قيادات حركة حماس - استشهدوا كلهم فيما بعد - في اجتماعات داخل الأنفاق، والوثائق التي كشفت جانباً من المداولات التي سبقت السابع من أكتوبر 2023، رسمت صورة ذهنية بطولية جديدة، سترسخ في أذهان الاجيال القادمة، وأكدت مدى وطنية هذه القيادات، وقدرتها على الاستمرار في النضال، في ظل الحصار والملاحقة والاغتيالات، وكيف نجحوا بتخطيطهم المحكم في إعادة القضية الفلسطينية من جديد إلى واجهة الاهتمام الدولي.
لقد أظهرت هذه المشاهد الوثائقية، كيف عاشت هذه القيادات سنوات طويلة بعيداً عن الأضواء، وسط ظروف استثنائية، لكنها ظلت حاضرة في معادلات الصراع، وصممت على مواصلة النضال، وخططت لمواجهة قوية مع العدو، مع ضرورة النظر إلى نتائج المواجهة وتكاليفها الإنسانية والسياسية بموضوعية ومسؤولية.
وعلينا أن نؤكد أن قراءة تجربة محمد الضيف المخلصة لله ثم للأوطان، تكشف أن الصمود لا يرتبط دائماً بالظهور الإعلامي أو الحضور الجماهيري، وإنما قد يتجسد في القدرة على الاستمرار سنوات طويلة في نضال الأعداء، بالرغم من الظروف شديدة القسوة، وما أشبه اليوم بالبارحة فتاريخ أمتنا النضالي لن ينسى تجربة المناضل الليبي الكبير عمر المختار ورفاقه، الذين رفعوا شعار سجله التاريخ بحروف من نور "نحن لانستسلم .. ننتصر أو نموت" .
اجتماعات الأنفاق ودلالات الصمود وآليات القيادة
ان اجتماعات الأنفاق التي بثتها قناة الجزيرة، أظهرت أنه لم تكن أهمية هذه المشاهد في المكان الذي عقدت فيه الاجتماعات وحده، وإنما في ما تكشفه عن الظروف الاستثنائية التي كانت تعمل فيها القيادة الفلسطينية. فالأنفاق، كما ظهرت في التحقيق، كانت جزءاً من بيئة شديدة السرية، فرضتها طبيعة المواجهة والملاحقة الأمنية، وأصبحت في الوقت نفسه شاهداً على جانب من الحياة التنظيمية لقيادات المقاومة.
وتبرز هذه المشاهد دروسا في فن القيادة في ساحات النضال، ومنها أن العمل القيادي لم يكن مجرد قرارات فردية أو تحركات عشوائية، بل ارتبط بوجود اجتماعات ومداولات واتصالات بين شخصيات متعددة. كما تعكس أهمية العلاقات بين المستويين السياسي والعسكري في صناعة القرارات الكبرى داخل الحركات المناضلة من أجل التحرر الوطنى.
ويبرز هنا درس أخر في أحد أهم أوجه الصمود للمقاومة الفلسطينية، وهو القدرة على المحافظة على الروابط التنظيمية والسياسية في ظل ظروف استثنائية، حتى مع تعرض القيادات للملاحقة والاستهداف.
لقد نجح هؤلاء في جعل قضية فلسطين الوطنية مستمرة في الوعي العام العالمي، رغم محاولات إضعاف مؤسساتها وقياداتها.
أسرار كشفتها الوثائق
تكمن أهمية الوثائق الذي بثها برنامج "ماخفى أعظم" أن الاجتماعات التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر، تعرضت لمداولات داخل القيادة العسكرية بشأن ما أطلق عليه "مشروع فهد"، وتضمنت نقاشات بشأن الظروف السياسية والأمنية المحيطة بالقضية الفلسطينية، كما عرض التحقيق وثيقة مؤرخة في الخامس من أكتوبر 2023 تتعلق بالقرار النهائي للعملية، الذي سبقه وجود مسار من النقاشات، وعن حضور قضايا القدس والمسجد الأقصى والمخططات الصهيونية لهدمه، وما يتعرض له الأسرى من تعذيب فوق الطاقة، والحصار في الخطاب السياسي الذي أحاط بتلك المرحلة.
وتكمن أهمية هذه الوثائق في أنها تتيح للباحثين فرصة دراسة كيفية تشكل القرارات داخل المؤسسات الفلسطينية، والعلاقة بين الاعتبارات السياسية والعسكرية، ومدى تأثير التطورات الميدانية في الحسابات القيادية
كما أن ظهور قيادات متعددة في الاجتماعات يعيد التأكيد على أهمية دراسة البنية القيادية للحركات الفلسطينية، بعيداً عن اختزال التاريخ في شخصية واحدة، مهما بلغت مكانتها.
ومع ذلك، فإن وجود تخطيط مسبق أو قدرة تنظيمية لا يعني بالضرورة نجاح جميع الأهداف السياسية، ولا يلغي المسؤولية التاريخية لمتخذي القرار، لكن بالرغم من الخسائر البشرية التي تدمى قلوبنا جميعا، والجرائم التي ارتكبها مجرمو الحرب من الصهاينة، إلا أنه لا ينكر أحد أن معركة طوفان الأقصى أعادت القضية الفلسطينية للوعى الجمعى العالمي، وغيرت مسارات كثير من الشعوب نحوها، وعلى رأسها الشعب الأمريكي الذي قال كلمته في الانتخابات التي أجرت أمس واليوم الأربعاء، ومن قبلها الانتخابات بالكيان الصهيوني، تجاه القضية الفلسطينية ومناصريها من السياسيين، ولولا خذلان الأمة لهذه النخبة المناضلة، لتمكنت ثلة المقاومين من تحقيق نصر مبين.
المقاومة تتسبب في "تسونامى أزرق" بأمريكا وتحولات دبلوماسية بالعالم
وعلينا ان نرصد بواقعية ومصداقية ثمار تخطيط هؤلاء الرجال، الذين خاضوا معركة طوفان الأقصى، وهنا لا أخص حماس بهذا الشرف، فلائحة الشرف وسعت للكثير من المناضلين الفلسطينيين، ومنهم حركة الجهاد الاسلامي، وكتائب الأقصى، وغيرهم الكثير ممن شاركوا بكل قوة في هذه المعركة، وقدموا دماءهم الشريفة قربانا لله، ثم رفعة لأوطانهم، وعلينا ان نقر ان أبناء غزة المجاهدة من المدنيين أتوا في طليعة لائحة شرف المناضلين.
ومن أبرز ثمار هذه المعركة، توالى المؤشرات على التحول في المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية ومنها اتساع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وتزايد الأصوات المطالبة بإنهاء الاحتلال، إلى جانب تصاعد الضغوط على إسرائيل بشأن سياساتها في الأراضي الفلسطينية.
وقد ساهمت الحرب في غزة في إعادة فتح ملفات ظلت لسنوات طويلة حاضرة في الخطاب الفلسطيني، لكنها لم تحظ بالاهتمام الدولي الكافي، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، ووقف الاستيطان، ورفع الحصار، وحقوق اللاجئين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ومن أخر ثمار هذه المعركة المباركة، التحول الخطير في توجهات الشعب الأمريكي، في الانتخابات الأمريكية، حيث شهدت "تسونامي أزرق"اجتاح جميع الولايات ، لصالح الديمقراطيين الذين انصبت مواقفهم على رفض سياسات ترامب تجاه المجزرة في غزة، والحرب ضد إيران، حيث سيطر الديمقراطيون على الكونجرس الأميركي بمجلسيه في موجة زرقاء تاريخية، بعدما تجاوزوا عتبة الأغلبية في الانتخابات النصفية، حيث حصدوا حتي كتابة هذه الكلمات، 228 مقعداً في مجلس النواب مقابل 139 للجمهوريين، و54 مقعداً في مجلس الشيوخ، مقابل 44 وذلك وفق إحصاءات الفرز التي نشرتها وسائل إعلام أميركية.
بل وجه الشعب الامريكي لطمة شديدة لمجرم الحرب ترامب، حيث فاز الديمقراطيون في مجلس النواب في ما لا يقل عن 15 دائرة انتخابية كانت تحت سيطرة الجمهوريين، بينها دوائر في ولايات كنتاكي ونيوجيرسي وكارولاينا الشمالية. وأعيد انتخاب الديمقراطية إلهان عمر لعضوية المجلس عن ولاية مينيسوتا، بعد فوزها على منافسها الجمهوري جون ناغل، كما فاز الديمقراطي عبد الرحمن السيد"عبدول"– من أصل مصري - الذي واجه حملة كبيرة من اللوبي الصهيوني كلفتهم مليارات الدولارات، وترامب نفسه لاغتياله سياسيا، في سباق مجلس الشيوخ بولاية "ميشيجن"، متغلباً على منافسه الجمهوري مايك روجرز، ليصبح بذلك أول أميركي مسلم ينتخب لعضوية المجلس. وردّ "عبدول"، خلال خطاب النصر، على الرئيس الأميركي ترامب الذي هاجمه خلال الحملة الانتخابية، بالقول: "يمكن لترامب أن يناديني بدءاً من الآن سيناتور"، وأضاف في إشارة واضحة لمطالبته لترامب بوقف الدعم الامريكي للكيان الصهيوني ووقف الحرب على غزة و إيران حيث قال: "لا نريد إنفاق أموالنا على الإبادة الجماعية والحروب".
وحملت الانتخابات إلى المجلس وجوهاً جديدة من الجناح التقدمي المنتقد لإسرائيل. ففي نيوجيرسي فاز آدم حموي بمقعد الدائرة الثانية عشرة، وفي كولورادو فازت الاشتراكية ميلات كيروس المناهضة للصهيوني بمقعد الدائرة الأولى. كذلك استعاد الديمقراطيون الأغلبية في مجلس الشيوخ، بسيطرتهم على 54 مقعداً من أصل 100، مقابل 46 للجمهوريين، وبرز بوضوح ارتفاع حصة الأمريكيين المسلمين في المقاعد البرلمانية.
لقد تحققت نبوءتك يا سنوار، والأن يتغير الوعى الجمعى العالمي، وبخاصة الشعوب الغربية لصالح قضيتكم العادلة، وكذلك انقلبت الموازين في قلب الكيان الصهوني، لقد فرضتم الأن واقعا جديدا، كشف أن المعركة على مستقبل فلسطين ليست عسكرية فقط، وإنما هي أيضاً معركة على الرواية والتاريخ والقانون والشرعية الدولية.
لقد نجح الفلسطينيون، عبر عقود من النضال السياسي والشعبي والإعلامي، والذي كانت أخر حلقاته معركة "الطوفان"، في إبقاء قضيتهم حية، وأصبح من الصعب على القوى الدولية تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها قضية ثانوية، إن أثر معركة "الطوفان" أتت الأن بثمارها على الانتخابات الأمريكية، التي هزت أركان حكم المتغطرس ترامب، وزلزلت كيان حزبه من الجمهوريين الذين فشلوا وخسروا خسارة إنتخابية تاريخية غير مسبوقة.
صمود شعب لا تغيب قضيته
إن الصمود الأسطورى الذي سطرته المقاومة الفلسطينية، وأبناء الشعب الفلسطيني عامة وغزة خاصة، بحروف من نور في تاريخ أمتنا، يؤكد أن هذا الشعب لن يكل عن مواصلة النضال، حتى تأتي المعركة الحاسمة، والمواجهة الفاصلة، حتى تعود الأرض من "النهر إلى البحر" لأصحابها الحقيقيين من الفلسطينيين.
وإن كانت الوثائق التي شاهدها العالم في "ما خفى كان أعظم" تُعيد سيرة محمد الضيف ورفاقه تطرح قضية الصمود والقدرة على الاستمرار في ظروف استثنائية، غير أن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه المرحلة لا يتعلق بالأسماء وحدها، ولا بالقدرات العسكرية أو الحسابات الميدانية، بل بحقيقة أن القضية الفلسطينية لا يمكن إلغاؤها أو تجاوزها، وأن شعباً يتمسك بأرضه وهويته وحقوقه سيظل حاضراً في معادلات المنطقة والعالم.
أن تمسك المقاومة الفلسطينية بالحقوق التاريخية في وطنهم، فرضت على كثير من الحكومات والمجتمعات إعادة النظر في مواقفها، ودفعت أجيالاً جديدة إلى الاهتمام بتاريخ القضية وواقع الاحتلال ومعاناة الفلسطينيين.
لكن النجاح التاريخي الحقيقي لن يقاس بمجرد إرباك الخصم أو لفت أنظار العالم، وإنما بمدى قدرة الفلسطينيين وأمتنا العربية والإسلامية، على تحويل هذا الحضور الدولي إلى إنجاز سياسي ملموس، ينهي الاحتلال، ويحفظ الأرض والإنسان، ويؤسس لدولة فلسطينية مستقلة حدودها "من النهر إلى البحر"، ولتذهب أكذوبة "إسرائيل الكبرى" الى الجحيم.
وستبقى حكاية محمد الضيف والقيادات التي ظهرت في تسجيلات الأنفاق جزءاً من تاريخ مشرف لأمتنا في مرحلة شديدة التعقيد، أما الحكاية الأكبر والأبقى فهي حكاية الشعب الفلسطيني نفسه؛ شعب يواصل الدفاع عن وجوده وهويته وحقه في تقرير مصيره، ويتمسك بأمل أن يأتي اليوم الذي تتحول فيه سنوات المعاناة والتضحيات إلى حياة حرة وآمنة وكريمة، ولعله يكون قريبا بمشيئة الله.
-----------------------------------
بقلم: د. هاني صلاح الدين






